محمد كمال شحادة
279
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية
واستمر التدريس باللغة العربية ، وأبدل اسم المدرسة لتصبح تسميتها « المعهد الطبي العربي » . أعود إلى ذكر تلك الأزمة التي تعرض لها المعهد فأقول : إن السلطات الفرنسية ، عندما لم تجد الظروف مناسبة لها لإلغاء المعهد ، لجأت إلى إظهار نفسها بمظهر المساعد والمشجع ، ويبدو ذلك واضحا من المقطع التالي من مقال للدكتور الفرنسي لوسيركل أحد أساتذة المعهد ( ترجمة الدكتور ميشيل خوري ) : « عندما جلس الأمير فيصل على عرش الأمويين بدمشق فتح المعهد أبوابه ، متخذا لنفسه صفة جديدة لم تكن له فيما مضى . ثم تقلص حكم الملك فيصل في ربوع الشام ، فلم يكن هذا الحدث التاريخي سببا كافيا لإقفال المعهد ، بل وجد في نفسه صبوة تحفزه على البقاء ، وطموحا يحمله على الاستمرار في الحياة ، مسترشدا ومحتميا بنا » 32 . وفي هذا القول اعتراف بعزم المعهد وتصميمه على البقاء ، كما أن من الطبيعي أن يدعي أستاذ فرنسي أن بني قومه يقومون بحماية هذا المعهد الذي اتخذ العربية ، وبإصرار ، لغة للتعليم في كل صفوفه ، ولكل دروسه النظرية والعملية ، حرصا من ذلك الأستاذ الفرنسي ، على أن لا يفسر الأمر على أنه كان ضد رغبة الفرنسيين الحاكمين . ولم يكتف الأستاذ لوسيركل بذلك بل تابع قائلا ، حفظا لماء الوجه : « قد يخيل لأول وهلة أن إيجاد معهد ثالث للطب في دمشق أمر لا حاجة إليه ( ! ! ) « بعد أن أوجد الأميركان والفرنسيون معهديهم في بيروت ، غير أن التعليم عند « الأمير كان هو بالإنكليزية ، وعند الآباء اليسوعيين بالفرنسية . وبما أن السوريين لم « يحاولوا في أي حين من الأحيان إقصاء فكرة « دولة عربية تتأسس عاجلا أو آجلا ، « فإنهم أرادوا أن يكون لهم معهد خاص يدرسون فيه الطب بالعربية التي هي لغتهم « الوطنية . لأجل ذلك لم يكن بد من وجود وطني حازم يأخذ على عاتقه هذه المهمة